السيد محمد حسين فضل الله

76

من وحي القرآن

وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ فهي لا تمثل مكانا يقضي فيه الإنسان عمره ، ويستريح فيه من عناء التعب ، بل تمثل القيمة الروحية التي تجعله يعيش السعادة المطلقة في رحاب اللَّه . وبذلك كانت الآخرة خطا للعمل في حركة المتّقين في الحياة الدنيا ، يتحركون - من خلاله - إلى اللَّه في كل أقوالهم وأفعالهم ، فهو الهدف الذي يحكم كل توجهاتهم وتطلعاتهم ، وهو النور الذي يشرق في قلوبهم ، فيبعث الإشراق في حياتهم ، فإذا فكروا في مواقفهم ، فكروا في انسجامها مع محبّة اللَّه ، وإذا فكروا في الجنة رأوا فيها المظهر لرضى اللَّه ، وإذا فكروا في النار رأوا فيها المظهر لسخط اللَّه . وهكذا يلتقي الخط بالهدف ، وترتبط التقوى بالدار الآخرة . وهكذا نفهم العمل الأخروي شيئا يرتبط بالهدف الكبير للمؤمن ، وهو اللَّه ، وعلى ضوء هذا كانت الصلاة التي يأتي بها المصلي رياء عملا دنيويا ، وكان العمل من أجل العيال عملا أخرويّا - تبعا لابتعاد الأول عن الارتباط باللَّه وارتباط الآخر به . إن الدار الآخرة حين يعيشها الإنسان في الدنيا من خلال غايات العمل ، خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ لأنها تعطي لحياتهم معنى وامتدادا في ما يحملونه من وعي روحي عميق ، وهي خير لهم عندما يتركون هذه الدنيا وينالون جزاء تقواهم ، جنّة عرضها السماء والأرض ، ورضوانا من اللَّه أكبر حيث السعادة المطلقة التي لا حدّ لها وخلودا في النعيم الروحي والجسدي أمام اللَّه . إن اللَّه يخاطب عقول الناس ، لتتحرك في عملية موازنة ومقارنة بين الدنيا والآخرة ، لتنطلق عملية الاختيار من موقع التفكير ، لا من موقع التقليد والمحاكاة ، بوصفه - أي التفكير - الأساس الذي ترتكز عليه قاعدة المعرفة الإيمانية ، التي يريد القرآن أن يبنيها في الإنسان